منتدى الصداقه
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 متاهات المفاهيم عند تعريف الثقافة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
Admin


المساهمات : 55
تاريخ التسجيل : 10/06/2008

مُساهمةموضوع: متاهات المفاهيم عند تعريف الثقافة   الثلاثاء يونيو 10, 2008 11:24 am

متاهات المفاهيم عند تعريف الثقافة - شيشر أول من سمي الفلسفة ثقافة الروح - عدنان المبارك
أصبحت الثقافة من المفاهيم الأساسية لما يسمي اليوم بالعلوم الإنسانية. وأكبر تعميم لقيه هذا المفهوم في القرن العشرين . وكلمة (الثقافة) العربية لاتملك ذات المعني القاموسي الذي تحمله الكلمة اللاتينية (كولتورا). إلا أن المفهوم السياقي للكلمتين، العربية واللاتينية، أصبح منذ أمد غير بعيد، واحدا علي وجه التقريب. ويعني الأصل اللاتيني للكلمة الزرع، إلا أن أول من إستخدمها بصورة مجازية كان شيشرو الذي سمي الفلسفة بـ(ثقافة) الروح. ومن الواضح أن هذا الفهم المبكر للثقافة إرتبط بتصور الجهد الداخلي الهادف صياغة التفكير بأسلوب شبيه بالتحولات التي تدخلها يد الإنسان علي الهيكل الطبيعي للعالم الخارجي. وقد شاع إستخدام الكلمة عبر قرون طويلة الي أن إستخدم الفرنسيون مصطلح (الحضارة) أو (المدنية) الذي قصدوا به كامل المنجزات الإجتماعية في مجالات التقنية والعلم والفن والأجهزة السياسية. وقبلها كانت تستخدم الصفة: متحضر، متمدن ومعها كلمتا (بولي) وتعني الصقل، والثانية جاء أصلها من كلمة(بوليس) اللاتينية وهي ذات منحدر يوناني (بوليتييا) أي النظام الإجتماعي المتعارض مع ما أسموه بشريعة الغاب والفوضي المزعومة في العلاقات الإجتماعية بين الأقوام البدائية. ويذكر هذا الأمر، بدوره، بالتعارض الأقدم بين (الزرع) و(الطبيعة).
في أوربا القرن الثامن عشر إعتبرت (الحضارة) نقضا للحالة (الطبيعية) التي تعيش فيها الأقوام الفطرية. وكان يؤخذ بهذا التعارض وفق المعاييرالأخلاقية الكنسية. فمرة كان يفسر لصالح الحضارة وفي أخري لصالح الطبيعة كما في مفاهيم جان ــ جاك روسو. ومن المرجح أن الفضل في إشاعة كلمة الثقافة يعود الي الشاعر والفيلسوف الألماني يوهان هيردير.
ففي مقدمة كتابه (أفكار حول فلسفة التأريخ) من أعوام 1784 ــ 1791 كان مترددا في حسم الطابع الإيجابي للثقافة.
وحصل ذلك، وعلي أكبر إحتمال، تحت تأثير فلسفة روسو حول التأثير الإنحلالي للفن والعلم علي الإنسان والطبيعة. فقد نظر هيردير الي الثقافة كأداة تعوّض عن النقص الفيزيقي للإنسان في صراعه من أجل البقاء.
كما نجده يرسم صورة دارونية لكفاح الأنواع ويحدد الشروط التي كان علي الإنسان أن يشق فيها طريق وجوده مستغلا مهاراته. ويري هيريدر أن الأسلوب الذي إتبعه الإنسان هو بمثابة تأريخ ثقافته التي تملك حصة فيها وحتي أكثر الشعوب بدائية. وإعتتقد هيريدر أن الآلية الرئيسية للثقافة توجد في التقاليد المعتمدة علي تحديد نماذج السلوك. وبهذا مهّد الطريق لعلم الإجتماع المعاصر القائل بأن الإنسان يتأنسن من خلال التربية.
كذلك وصل هيردير الي نتيجة تفيد بشمولية عامل الثقافة أي أنه لم يتكلم أبدا عن الثقافة بصيغة الجمع مؤكدا علي محاربته المعروفة للمركزية (الأثنولوجية) الأوربية في النظر الي ثقافات المناطق الحضارية الأخري.

نزعات شتي في عملية تعريف الثقافة

كان مفهوم تنوع وتكافؤ الثقافات الذي أصبح العنصر الجوهري للنظريات المعاصرة قد شق طريقه ببالغ الصعوبة في فترة سيادة مفاهيم عصر التنوير الأوربي والأخري المرتبطة بنظريات التطور والقائلة بالتطور (التقدمي) ذي الخط الواحد للتأريخ.
وقد وصف المؤرخ الألماني غوستاف كليم الثقافة، وتحت تأثير فولتير, بأنها مجموعة الظواهر التي نلمسها في العادات والمعتقدات والأشكال النظامية.
وهذا المفهوم أصبح نموذجا للكثير من المفاهيم الأثنولوجية والإنثروبولوجية عن الثقافة وخاصة في ألمانيا وإنجلترا. وكانت كلمة (الثقافة) شائعة في الأدب الإنجليزي رغم تعدد التفاسير. ولنذكر هنا المعركة التي دخلها ماثيو أرنولد في ستينيات القرن التاسع عشر مهاجما أنصار الثقافة الشائعة التي أسماها بالبريق السطحي للتحصيل اللغوي التقليدي.
أما هو فوجد الثقافة الحقيقية فضولا فكريا وسعيا غير نفعي صوب الكمال ومنطقة للقيم الأخلاقية والجمالية المتناقضة مع قبح حضارة الفحم والفولاذ أخلاقيات الركض وراء الثروة والسطوة السياسية، وعالم البرابرة الأرستقراطيين ومادية البوروجوازيين و(الرعاع) أيضا.. فالثقافة هي كل ما يكون الأفضل.
يعتبر كتاب الباحثين الأمريكيين كريبير وكلوك حول مفاهيم الثقافة وتعاريفها من أفضل المؤلفات في هذا الحقل (1).
ووفق هذين المؤلفين هناك ستة تعاريف للثقافة أو بالأحري ستة أبعاد تبرزها شتي التعاريف، وهي الوصفي والتأريخي والسايكولوجي والبنيوي والمعياري والتكويني. ومن الواضح أن هذا التصنيف ليس بالدقيق
. فالطراز الوصفي هو شكل كلاسي للتعاريف الأثنولوجية المبكرة وبينها تعريف أدوارد تايلور القائل بأن الثقافة أوالحضارة هي كلّ مركب يشمل المعرفة والمعتقدات والفن والأخلاق والقوانين والأعراف كذلك القدرات الأخري والعادات المستحكمة لدي الناس كأعضاء في المجتمع. ونقطة الضعف في هذا التعريف هي جانبه التعدادي. كذلك لايبتعد تايلور، بالأساس، عن تعريف كليم.
ونلقي التعريف ذاته لدي علماء أنثروبولوجيا الثقافة المعاصرين أمثال الأمريكية رث بينيدكت مؤلفة كتاب (نماذج الثقافة). أما التعريف التأريخي فيؤكد علي عامل التقاليد كمشرّع للثقافة التي تصبح، هنا، إرثا وحصيلة.
وفي التعريف المعياري تكون القواعد هي الخاصية الأساسية للسلوك الثقافي إضافة الي ما يسمي وحدة أسلوب الحياة المميّز لهذه الثقافة عن تلك. أما التعريف السايكولوجي فيراعي الآليات النفسية الناشطة عند تشكيل الثقافة أي عملية التعلم ونشوء العادات. وبين التعاريف السايكولوجية هناك التي تصف الثقافة كجهاز مكيّف (بكسر الياء).
أما التعاريف البنيوية فتتميز بالتركيز علي الطابع الكلي للثقافات وترابطاتها الداخلية. فهذه التعاريف تتكلم عن ثقافة معيّنة أو ثقافات مختلفة وليس عن الثقافة عامة. وما يميّز التعاريف التكوينية تأكيدها علي إيضاح أصل الثقافة ومنحدرها وقضية تعارضها مع الطبيعة، وطابعها كنتاج للتعايش الإجتماعي. ونلقي لدي تايلور التعريف نفسه رغم بعده عن النزعة البنيوية
. فتايلور وجد أيضا أن جوهر الثقافة يكمن، رغم كل شيء، في الأصل الإجتماعي للعادات والأعراف.
يري عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي الكبير رالف لينتن أن الثقافة تشمل طائفتين أساسيتين من الظواهر هما السلوك البشري والأشياء التي تعتبر نتاجا له (2). وهو أمرمفهوم أن نطاق الثقافة لايشمل جميع أنواع السلوك بل تلك التي صارت عادة إجتماعية أي السلوك الذي يتميز بالإنتظام ومصدره عملية التعلم المميّزة للجنس البشري والتي تعتبر إحدي الآليات الرئيسية لنشوء الثقافة وبقائها وتطورها.

الثقافة هي في قابلية التعلم وتخطي التجربة الشخصية وفق التعاريف المذكورة وغيرها يكون الإنسان قد تعلم جميع الأنشطة الثقافية أي أن السلوك الغرائزي هو خارج نطاقها. ومن الطبيعي أن ليس كل ما يتعلمه الإنسان يعتبر نشاطا ثقافيا. فقابلية التعلم مشتركة، وعلي نطاق كبير، بين الإنسان والحيوانات الأخري. إلا ان التعلم لدي الحيوان يبقي تجربة مستقلة لاعلاقة لها بالتجارب السابقة والمقبلة علي السواء. فقابلية التعلم وتخطي التجربة الشخصية جعلتا الإنسان خالقا للثقافة ومتكيفا لشروط الحياة فيها. وكما يقول السلوكيون فقابلية خلق الرموز وإستخدامها في الإتصال البشري هي السبل المميزة للإنسان في سعيه الي توسيع نطاق معرفته وكسب مهارات عملية. ومعلوم أن الحصيلة الثقافية كانت تتجمع قبل ظهور (الإنسان العاقل).
فالقدرة علي الأخذ والعطاء فيما يخص التراث والتي يتميز بها الإنسان، سواء أخصّ الأمر الأشياء أم قواعد السلوك ونماذجه، تكون قائمة في أسس الطابع التراكمي للثقافة. ويجد ميرتن أن هناك نموذجين للثقافة : المغلق والمكشوف (3). أما كلود ليفي ــ ستروس قد صنّف الثقافة الي ستاتيكية ودينامية (4). وفي الجوهر يكون هناك تعريفان أساسيان.
الأول حدّده تايلور وأنصار مدرسته، وبينهم معاصرون كثيرون، والثاني المناويء له والذي يرفض إطلاقا التعامل السوسيولوجي مع الثقافة أي تفسير الظواهر الثقافية كنوع معيّن من السلوك الإجتماعي ونتاجاته
. ولا يمكن، بالطبع، تجاهل حقيقة أن الثقافة هي واقع خارجي ذو تأثير طاغ علي الإنسان. وهناك تعاريف وسط بين التعريفين المذكورين. وأكثرها إنتشارا التعريف الذي حدد صيغته النهائية رالف لينتن، وهو يعتمد علي التفرقة بين الثقافة الفعلية والأخري(التجريدية). ويقول إن الثقافة هي نظام التصرفات المكتسبة ونتاائج الأخري التي تكون عناصرها الأساسية مشتركة لدي أعضاء المجتمع والمطروحة في نطاقه.
وهناك تعاريف أكثر تعقيدا. مثلا تكون الثقافة مضامينا ونماذجا لقيم وأفكار، وغيرها من الأنظمة المهمة رمزيا، يتم خلقها وطرحها كعوامل تشكل سلوك الإنسان أيضا. فهي أشياء (مصنوعة) تكون نتاجا للسلوك.
والملاحظ أن التباين في التعاريف نابع من التباين بين مجموعتين من العلوم الإجتماعية والإنسانية. فالثانية تتفرع تماما للأبعاد الإبداعية في نشاط الإنسان بينما تتكرس الأولي لكل ماهو عاد وشائع وتقليدي ويومي، وكما يقول رالف ردفيلد : فاحصو الأدب والفن معنيون بأجمل أزهار الشجرة التي يفحص جذورها الخبير الانثروبولوجي (5). من ناحية أخري تكون الثقافة مدركة كمظهر ووظيفة للعالم الفيزيقي. إلا أنها وظيفة ذات أشكال متنوعة.

الثقافة بين التحسس الميتافيزيقي
والعقل التقني

إن جميع ظواهر الثقافة تتصل بالإنسان كمسهم في علاقات المجتمع وخاضع لمراتبه. وهذا هو المنطلق الرئيسي لسوسيولوجيا الثقافة التي أصبحت اليوم حقلا متميزا ومستقلا عن الحقول الأخري لعلم الإجتماع. ورغم تباين المدارس يبقي التعريف السوسيولوجي هو الأساسي للثقافة كمجمّع (بفتح الميم) للتصرفات الخاضعة للقواعد والنماذج ونتائجها. كذلك تقسّم الثقافة، أنثروبولوجيا، الي ثقافة التصرفات وثقافة النتاجات. ومما لاشك فيه أن هذه التعاريف تتداخل تلقائيا بالإشكالية الأولية المتعلقة بأحوال التفرقة بين مصطلحي الثقافة والحضارة. وأكثرها شيوعا هو المعتمد علي التعارض بين نشاط الإنسان ونتائجه والذي يذكرنا بالتعارض الآخر بين الثقافتين المادية والروحية.
إن أساس التفرقة فلسفي، ويعود الي فلسفة هيغل رغم أن هذا الفيلسوف لم يستخدم مصطلح الثقافة في محاضراته المعروفة عن فلسفة التأريخ كتأريخ للروح المطلق. وقد وصف الفيلسوف الألماني فلهلم ديلتي العلوم الإنسانية كعلوم للروح حيث وجد إصطلاح (علوم الثقافة) محدودا لايشمل نطاق نظرية الواقع الإجتماعي ــ التاريخي.
إلا أنه إستخدم مصطلح أنظمة الثقافة مع تمييز لأنظمة مثل اللغة والأخلاق والفن والدين والمعرفة (6). وهناك من إستبدل فكرة (علوم الروح) بعلوم الثقافة. فلديه تكون الثقافة منطقة قيم تتعارض مع الطبيعة. والملاحظ أن عددا من علماء الإجتماع، الألمان خاصة، يأخذون بالتفرقة علي أساس المواجهة بين الحضارة والطبيعة
. فالجهاز الذي يتموضع فيه الإنسان في العمليتين الداخلية والخارجية للحضارة إنما يشمل، علي السواء، وسائط السيطرة علي الطبيعة مثل التكنيك وجميع الأدوات المادية أوالأجهزة الإقتصادية والإجتماعية والسياسية كالدولة والقانون إلي آخره.
وفيما يخص التعارض بين الثقافة والحضارة هناك مقولة تفيد بأن الثقافة تتعارض مع الحضارة من خلال إستقلاليتها عن جميع الضرورات الحياتية، فحين تتحرر الحياة من الضرورات وتتحول الحاجات الي هيكل يعلو الإنسان تنشأ حينها الثقافة .
ويجد عالم الإجتماع والثقافة الألماني ألفريد فيبير أن الثقافة تقوم علي الإستعداد للقيام بالنشاط غير النفعي (بالنسبة للوجود الفيزيقي للإنسان) وحتي أنها تتطلب التضحية بهذا الوجود وبإسم مهام تعتبر الأرفع وتمثل المعني الجوهري للحياة البشرية. كما يري أن هناك عدة ميادين تعتبر عناصرا أساسية للثقافة بالمعني المذكور.
أولها يتمثل بالنشاط الفني المعتمد علي قيام الفنان بـ(التشبع) بالعالم ثم طرحه في نتاج مركب ذي شكل حر. وثانيهما هو الفكرة التي تكون هيئة جديدة لصورة العالم لاتملك، لغايتها، أيّ مماثل في الواقع الخارجي إلا أنها تفرض (بضم التاء) عليه من أجل تحويله ودفعه بالإتجاه المنشود. وثالثهما هو الدين.
وهناك تكون الثقافة ذلك المعادل للروح المطلقة الهيغلية. ويعتمد جوهر الثقافة المدركة بهذه الصورة علي التحسس الميتافيزيقي وليس العقل التقني الذي يكون ميزة الحضارة. إن الثقافة تنمو دائما وفي كل مكان صوب القيم الخالدة والجليلة والخيّرة. وطبيعي أن إدراك هذه القيم يتغير مع العصور إلا أنه مجرد تغيير وليس تقدما، وعلي العكس من الحضارة التي يكون فيها معيار التقدم هو درجة تلبية الحاجات الطبيعية والتوسع الوجودي. كذلك فالحضارة، وفق فيبير والمدارس التابعة، ليست إلا نظاما تكنولوجيا يحوي طبيعة الأداة حيث يشمل،علي السواء، الأجهزة المادية والتنظيم التقني والمجمّع (بفتح الميم) المؤسساتي، وبضمنه التنظيم الإقتصادي والسياسي(7). بعبارة أخري تتكون الحضارة من النشاط البشري النفعي والآخر المنظم الذي يتحكم بشروط الوجود البشري.

شبنغلر : حين تشيخ الثقافة تتحول
الي حضارة

وهو أمر واضح أن التعارض بين الحضارة والثقافة لايحصل إلا في المجتمعات (المتطورة). مثلا يدخل روبرت مكلفر تعارضا بين مؤسسات ذات طبيعة أدواتية كالمصرف والمصنع، وأنشطة الكنيسة والمسرح ونادي النقاش والتي يصفها جميعا كمركز لما أسماه بـ(الإستهلاك النهائي) (Cool. فالأولي تدخل في نطاق النظام التكنولوجي، والثانية في نطاق الثقافة، إلا أنه يسوق حججا غامضة لدعم فرضية التفريق بين الحاجات ذات الطابع (الحضاري) والأخري ذات الطابع (الثقافي) مما يكون أمرا في غاية البعد عن مقولات أوزفالد شبنغلر المعروفة عن الثقافة التي قال عنها إنها حين تشيخ تصبح حضارة. وما يهمنا هنا هو التفرقة الشبنغلرية المطبّقة علي الثقافات. فهذا المفكر الألماني وجد معايير التفرقة في المثل الحياتية ومعاملة الفرد ومواقفه ومساعيه والأنظمة الأخلاقية والآراء العلمية والفلسفة.
كما وجد أن لكل ثقافة معاييرها التقييمية ومثلها الأخلاقية النسبية، أي في نطاق سريانها، وحتي أنه وجد العلوم الطبيعية والرياضية لاتملك قيما شمولية أي أن ما يقرر التمايز الثقافي هو القيم الروحية التي أسماها بروح الثقافة التي تصلح أساسا للتفرقة. وفي تحليله للتحولات التأريخية ينتبه شيبنغلر قبل كل شيء الي تحليل التعارض بين ما اسماه طور النمو أي الثقافة وطور التدهور أي الحضارة. إنهما طوران متعاقبان، والحضارة هي (المصير المحتوم لكل ثقافة)(9). وطور الثقافة يتميز بالنشاط الحر للنخبة المبدعة والخالقة لنماذج السلوك والطارحة لبراهين تدعم مجاميع معينة من القيم.
وهذه النخبة تصوغ العلاقات السياسية والإقتصادية وفقا للقيم الروحية المطروحة، ويضرب مثلا علي ذلك بفترة الإقطاع المبكرة في أوربا حين قام النبلاء والكهنوت بوظيفة النخبة المبدعة التي إمتلكت أوربا نتيجة لها نموذجها الثقافي.

الثقافة جهاز تكيّفي خاص بجنس الإنسان

تبقي هناك التعاريف التي صيغت وفق شتي التفسيرات الماركسية والأخري من بعض المدارس الأنثربولوجية كوظائفية مالينوفسكي وبنيوية ليفي ــ ستروس وغيرهما. وفي الواقع لم يكن كارل ماركس قد إستخدم مصطلح الثقافة. فقضايا الثقافة بمعناها الضيّق، كالعلم والفن والأدب، كان قد عالجها علي هامش قضايا الإقتصاد والسياسة أو بالأحري في إطار تقسيمه المعروف لنشاط الإنسان الي النتاجين المادي والروحي
. وحتي الثاني لم يجده ماركس مرتبة عامة بل مدركا في شكل تاريخي معيّن. والماركسيون المعاصرون يأخذون،عامة، بالتقسيم التقليدي للثقافة إلي مادية وروحية. وعدد من المنظرين السوفييت عرّفوا الثقافة، حينها، بأنها نتيجة التحول الخلاق للإنسان ومحيطه من خلال نشاط الإنسان والمجتمع. وهنا تحصل التفرقة بين ثلاثة اشكال للثقافة: المادي الذي يناسب تقريبا المفاهيم الشائعة عن الحضارة المادية، والشكل الروحي للنشاط الذي يشمل، أولا، العمليات الفكرية (ولكن كامل العلاقات الإجتماعية أيضا)، والشكل الثالث هو الفني.
معلوم أن الشكل الثاني في هذه النظرية غير واضح تماما. كذلك فوضع خط فاصل بين الشكل الفني والآخر الروحي لايبدو مقنعا. ووفق هؤلاء يرتبط كل شكل للتفكير بالثقافة الروحية ولكن الكلام، اللغة - هذا الشكل المادي للتفكير، يرتبط بالثقافة المادية. وكان هناك رأي سوفييتي شائع آخر يعرّف الثقافة بأنها مركب عضوي للقيم المادية والروحية التي يحققها المجتمع.
وفي نظريات الثقافة، الأنثروبولوجية والأثنولوجية، نجد محاولات لتصنيف حقول الثقافة مع نبذ للتعارضات بين الثقافتين الروحية والمادية أو بين الثقافة والحضارة. فالثقافة تعامل كجهار تكيّفي خاص بالجنس البشري. وعلي سبيل المثال ينظر برونسلاف مالينوفسكي الي الثقافة علي ضوء دورها في سد حاجات الإنسان. وفي نظريته الوظائفية يقسم الحاجات الي ثلاثة أنماط تكون أساس تصنيف حقول الثقافة: الحاجات الأولية التي يسميها ايضا بالأساسية أو الإلزامية، والمساوقة والتكاملية. الأولي تتمثل بالغذاء والنوم والإستراحة، والثانية في كل ما يحتاجه بقاء المجموعة البشرية وتطورها مثل تنظيم التعايش والعلاقات، ويلبي شروط هذه الحاجات الجهاز الثقافي المكوّن من مؤسسات التموين والتربية والمراقبة الإجتماعية والسلطة السياسية. والثالثة تلبيها العناصر الرمزية للثقافة والتي لاتكون متميزة بشكل واضح، لدي مالينوفسكي، عن الجهاز الذي يلبي الحاجات الثانية.
وكان مالينوفسكي قد إعتبر اللغة والميراث الشفاهي والأدبي المدوّن والمباديء الأخلاقية والمعتقدات التي تشكل النشاط وتكون عنصرا أساسيا لكل سلوك ومؤسسة، من مكوّنات ما أسماه بـ(مملكة الرمز). وفي الواقع لم يعر مالينوفسكي أهمية أساسية لهذا التصنيف. فقد وجد أن أيّ مؤسسة للثقافة لاترتبط بحاجة واحدة أو نمط حاجات في حين أن تطور الثقافة مضي منذ البدايات المبكرة، في طريق تكامل الخطوط الرئيسية الثلاثة: القابلية الفردية لتلبية الحاجات بمساعدة النشاط الأداتي، النشاط الثقافي الأداتي المرافق والمعتمد علي الروابط الإجتماعية، وفي الأخير تلك المنطقة الرمزية (10).
وعموما لاتعير إنثروبولوجيا الثقافة التي تركز أولا علي الفحوص المونوغرافية، بالغ الإهتمام لقضية تصنيف ميادين الثقافة وعلي العكس من الأثنولوجيا التقليدية التي تستخدم علي الدوام الأداة المنهجية (السيستماتيكية)
. فالأنثروبولوجيا تسعي الي التعامل مع حياة المجموعة البشرية ككل، وصياغة صورتها العامة. من ناحية اخري كان منحي هذه الصورة العامة قد كوّنته ممارسات الأنثروبولوجيين في مجال فحص المجتمعات البدائية أو البسيطة. وفيما بعد أخذ هؤلاء بمقولة إن بحث المجتمعات المحلية يعني بحث أحد عناصر المجتمعات المتطورة والمعقدة.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://frendlive.yoo7.com
 
متاهات المفاهيم عند تعريف الثقافة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى الصداقه :: منتدى الثقافه والشعر-
انتقل الى: